الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

36

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولم تكن شيئا فلا تعدّ إعادة الأشياء الفانية بالنسبة إليها إلّا شيئا يسيرا كما قال تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ غافر : 57 ] . وهذه الجملة والجمل المعطوفة عليها إلى قوله : إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [ الذاريات : 51 ] معترضة بين جملة وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ [ الذاريات : 46 ] إلخ وجملة كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ [ الذاريات : 52 ] الآية . وابتدئ بخلق السماء لأن السماء أعظم مخلوق يشاهده الناس ، وعطف عليه خلق الأرض عطف الشيء على مخالفه لاقتران المتخالفين في الجامع الخيالي . وعطف عليها خلق أجناس الحيوان لأنها قريبة للأنظار لا يكلف النظر فيها والتدبر في أحوالها ما يرهق الأذهان . واستعير لخلق السماء فعل البناء لأنه منظر السماء فيما يبدو للأنظار شبيه بالقبة ونصب القبة يدعى بناء . وهذا استدلال بأثر الخلق الذي عاينوا أثره ولم يشهدوا كيفيته ، لأن أثره ينبئ عن عظيم كيفيته ، وأنها أعظم مما يتصور في كيفية إعادة الأجسام البالية . والأيد : القوة . وأصله جمع يد ، ثم كثر إطلاقه حتى صار اسما للقوة ، وتقدم عند قوله تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ في سورة ص [ 17 ] . والمعنى : بنيناها بقدرة لا يقدر أحد مثلها . وتقديم السَّماءَ على عامله للاهتمام به ، ثم بسلوك طريقة الاشتغال زاده تقوية ليتعلق المفعول بفعله مرتين : مرة بنفسه ، ومرة بضميره ، فإن الاشتغال في قوة تكرر الجملة . وزيد تأكيده بالتذييل بقوله : وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ . والواو اعتراضية . والموسع : اسم فاعل من أوسع ، إذا كان ذا وسع ، أي قدرة . وتصاريفه جائية من السّعة ، وهي امتداد مساحة المكان ضد الضيق ، واستعير معناها للوفرة في أشياء مثل الأفراد مثل عمومها في وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] ، ووفرة المال مثل لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [ الطلاق : 7 ] ، وقوله : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ [ البقرة : 236 ] ، وجاء في أسمائه تعالى الواسع إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ . وهو عند إجرائه على الذات يفيد كمال صفاته الذاتية : الوجود ، والحياة ، والعلم ، والقدرة ، والحكمة ، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 115 ] ومنه قوله هنا : وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ .